محمد سعيد رمضان البوطي

194

فقه السيرة ( البوطي )

المحبة في القلب انقلب الإقدام إحجاما والاستبسال كسلا وتقاعسا . خامسا : إذا تأملت حال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهو ينظم صفوف أصحابه ويرتب أجنحتهم ، ويضع الحامية اللازمة في مؤخرة المسلمين ، ويأمر الرماة أن لا يغادروا أماكنهم مهما وجدوا من أمر إخوانهم المقاتلين حتى يتلقوا الأوامر منه صلى اللّه عليه وسلم ، نقول : إذا تأملت ذلك اتضحت حقيقة بارزة ، ولاحت لك من ورائها ظاهرة هامة أخرى . أما الحقيقة البارزة ، فهي البراعة العسكرية التي كانت تتصف بها قيادته صلى اللّه عليه وسلم في الحروب ، فقد كان في مقدمة المخططين لفنون القتال وطرائقه ، ولا ريب أن اللّه تعالى قد جهزه بعبقرية نادرة في هذا المجال ، ولكننا نقول : إن هذه العبقرية والبراعة إنما يأتي كل منهما من وراء نبوته ورسالته السماوية ، فمركز النبوة والرسالة هو الذي اقتضاه صلى اللّه عليه وسلم أن يكون عبقريا بارعا في فنون الحرب وغيرها ، كما اقتضاه أن يكون معصوما بعيدا عن كل انحراف وزلل ، وقد شرحنا هذا في القسم الأول من هذا الكتاب فلا حاجة إلى تكراره . وأما الظاهرة التي تلوح للمتأمل من خلال توصياته الدقيقة هذه لأصحابه عامة ، وللرماة خاصة فهي ظاهرة ذات علاقة وثيقة بما قد تم بعد ذلك من خروج بعض أولئك الرماة على أوامره صلى اللّه عليه وسلم ، فكأن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قد استشف بفراسة النبوة أو بوحي من اللّه تعالى هذا الذي قد حدث فيما بعد ، فراح يؤكد التوصيات والأوامر ، وكأنه في ذلك يجري مع أصحابه مناورة حية مع عدوّ لهم هو النفس وأهواؤها وما تنطوي عليه من طمع في المال والغنائم ، والمناورة مهما كانت نتيجتها ، تفيد فائدة عظيمة . . وربما كانت النتيجة السلبية أدعى للاستفادة من النتيجة الإيجابية . سادسا : أبو دجانة ، الذي تناول السيف من يد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بحقه ، أخذه وراح يتبختر بين الصفوف ، فما أنكر عليه رسول اللّه ، وإنما قال : « إن هذه مشية يكرهها اللّه إلا في مثل هذا الموضع » ! . . وهذا يدل على أن كل مظاهر الكبر المحرمة في الأحوال العامة ، تزول حرمتها في حالات الحرب ، فمن مظاهر الكبر المحرمة أن يسير المسلم في الأرض مرحا متبخترا ، ولكن ذلك في ميدان القتال أمر حسن وليس بمكروه ، ومن مظاهر الكبر المحرمة تزيين البيوت أو الأواني والأقداح بالذهب أو الفضة ، غير أن تزيين آلات الحرب وأسلحتها بالفضة غير ممنوع ، فمظهر الكبر هنا إنما هو في حقيقته افتخار بعزة الإسلام على أعدائه ، ثم هو معنى من معاني الحرب النفسية التي ينبغي أن لا تفوت المسلمين أهميتها .